أصبح الفضاء، اليومَ، أحد أبعاد القوة العسكرية الحديثة، إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء السيبراني، فالقدرة على استخدام الفضاء تتيح للدول تفوقاً معلوماتيًاً وعملياتيًاً يُسهم في حسم المعارك بأقل قدر من الخسائر، إذ تؤدي القدرات الفضائية دوراً محورياً في تعزيز التفوق النوعي للطرف الذي يملكها.ويسلط هذا المقال الضوء على أنواع الأقمار الصناعية ذات الاستخدامات العسكرية، مع تقديم أمثلة على بعض تطبيقاتها، فعلى سبيل المثال تُعدُّ أقمار الاستطلاع والمراقبة الضوئية في المدار المنخفض من أبرز الأدوات الفضائية المستخدمة، إذ تحلق على ارتفاع يقارب 500 كيلومتر، وتوفّر صوراً نهارية دقيقة تصل دقتها إلى نحو 20 سم، وتتمتع بالقدرة على تحديد الأهداف الصغيرة، وتمييزها، إذ تساعد هذه الصور على تحديد الأهداف مسبقاً، ومعرفتها، وتحليل طبيعتها، ومتابعة التغييرات التي طرأت عليها، ما يدعم دقة الاستهداف، ومعرفة التأثير، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ويُشار إلى أن الرصد الفضائي شبه المستمر يتطلب عدداً كبيراً من الأقمار الصناعية تدور تباعاً في المدار المنخفض. وفي المقابل تتمتع الأقمار الرادارية بقدرة عالية على التصوير في جميع الظروف الجوية، سواء في الليل أو النهار، ويتحقق ذلك عبر قدرتها على التصوير الدقيق من خلال السحب والعواصف والغبار، ما يجعلها أداة تكاملية مع الأقمار الضوئية، خصوصاً في البيئات العملياتية المعقدة.

كما توفر أقمار المراقبة الحرارية إمكانية اكتشاف مصادر الحرارة، مثل تلك المنبعثة من رصد الآليات المخفية، أو منصات إطلاق الصواريخ، من خلال التقاط البصمة الحرارية بدقة عالية. وإن كانت تلك الأقمار في المدار الثابت، فإنها توفر تغطية على مدار الساعة، ما يعزز عمليات الرصد والكشف المسبق. أما أقمار الاستخبارات الإلكترونية، فهي تتيح رصد الإشارات الراديوية، مثل إشارات الرادارات الثابتة، أو المتحركة، وتحديد مواقعها وأنواعها، بل تتيح أيضاً اعتراض الاتصالات اللاسلكية، وتحليل محتواها، الأمر الذي يمنح ميزة استخبارية كبيرة على الخصم. كما توفر أقمار الأطياف الضوئية معلومات دقيقة، مثل التعرف إلى وسائل التخفي والتمويه على الأرض، بالشكل الذي يساعد على تحديد الأهداف العسكرية، والتعامل معها.

ومن جهة أخرى تؤدي أقمار الاتصالات الفضائية، سواء الموجودة في المدار الثابت، أو في المدار المنخفض، دوراً محورياً في ضمان استمرارية الاتصال الآمن بين القوات المنتشرة، ومراكز القيادة والسيطرة، وذلك ضمن مناطق جغرافية واسعة، وبصورة مستقلة عن الشبكات الأرضية. وتنقل هذه الأقمار البيانات والصوت والصورة بسرعات وسعة عالية من منصات متحركة، مثل الطائرات والسفن والآليات.

وتوفّر أقمار الاتصالات المتنقلة وسائل اتصالات فضائية يدوية مستقلة للأفراد، تُستخدم لأغراض الاستخبارات والرصد، من دون الحاجة إلى المرور عبر الشبكات الأرضية. كما تسهم أقمار الإنذار المبكر في اكتشاف إطلاق الصواريخ الباليستية، وتتبع مسارها، وتحديد مواقع سقوطها المحتملة، الأمر الذي يعزّز الاستجابة الدفاعية السريعة. وإضافةً إلى ما تقدم تعمل أقمار الملاحة الفضائية ذات الاستخدام العسكري، مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، على تحديد المواقع بدقة، وتوجيه الذخائر الذكية والصواريخ إلى أهدافها عبر برمجتها المسبقة.

ولا يقل دور أقمار الطقس أهميةً، إذ تقدم معلومات دقيقة عن الأحوال الجوية في مناطق العمليات، ما يساعد على إعداد الخطط والتوقيتات الميدانية بكفاءة. وعلى النقيض تواجه الأقمار الصناعية عدداً من التهديدات، مثل التشويش، والهجمات السيبرانية، والحطام الفضائي، والأعمال العدائية في الفضاء، وهي تهديدات تهدف إلى الحد من عملها، أو تدميرها.ختامًا تؤكد الدروس المستفادة أهمية توظيف القدرات الفضائية في الحروب الحديثة، وهو ما يفرض على الدول ضرورة تطوير قدرات فضائية متقدمة، ومستدامة، ومحمية، بما يعزز التفوق النوعي، ويخدم الأمن القومي في ظل التحولات السياسية والصراعات المعاصرة.

الدكتور المهندس/ محمد ناصر الأحبابي مستشار أول في مجموعة (إيدج)